الصفحة الرئيسية -->
مقالات -->المغرب دولة خارجة عن القانون (2)
المغرب دولة خارجة عن القانون (2)
مصطفى الكتاب
كنا في مقالنا السابق تحدثنا عن الصفة الرئيسية للمغرب كدولة خارجة عن القانون، حيث رأينا كيف أنه عضو موقّع على جميع المواثيق والعهود التي تضبط العلاقات الدولية اليوم، والتي من أهمها ميثاق الأمم المتحدة، والميثاق التأسيسي لمنطمة الوحدة الإفريقية ـ الاتحاد الإفريقي اليوم، محكمة العدل الدولية، وكيف يضرب بها كلها عرض الحائط، وكيف يهزأ بكل المواثيق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، ويتعامل معها بصلف لا شبيه له في عصرنا إلا الكيان الصهيوني ـ الذي بعدما حاصرته جرائمه في حربه على غزة، بات يطالب بتغيير قوانين الحرب ـ لكن المغرب تجاوز اللعب بالقانون الدولي بكل مكوناته، وأصبح اليوم يتلاعب ويهزأ حتى من العقل البشري العام حيث لا يترك منبرا عالميا إلا وأرغى وأزبد فيه مدعيا احترامه لتلك الحقوق، ومروجا لبضاعة كاسدة حول تطورات حصلت وتحصل في مغرب اليوم، وخطوات متتالية ومتسارعة للابتعاد عن مغرب سنوات الرصاص.
واليوم سنتابع نفس المنوال لأن الأحداث التي تتكرر على الساحتين المغربية والصحراوية تضيف عناصر جديدة إلى ما سبق لنا التنويه عنه، ولا بد من تناولها قصد إيفاء الموضوع حقه من تفاصيل وإيضاحات.
تدعي أبواق المخزن الداخلية (إعلامه، وأحزابه المفبركة، وكل أذناب الداخل)، والخارجية من امثال رئيس الحكومة الإسبانية السابق فيليبي غونزاليث، أن المغرب تقدم على طريق إرساء دولة الحق والقانون، وأن سيادة الحق والقانون تسير حتى وإن كان ببطئ في درب مستنير ونير، ويستشهدون بما يسمونه لجنة المصالحة والإنصاف، وتعويصات جبر الخاطر، وما إلى ذلك من حجج يحلوا لهم ترديدها في جنيف أو في أمريكا اللاتينية، بعيدا عن أرض الواقع، وبعيدا عن الحياة اليومية للمواطنين المغاربة البؤساء.
أما ما يتعلق بقضية الصحراء الغربية، فالكارثة أعظم، ويبدو أنهم لا يفكرون بما يتفوهون به من تفاهات.. حيث يبنون قصورا من أوراق دعايتهم حول ما شهدته أقاليمهم الجنوبية ـ التي لا أدري أين هي ـ من تطور، ويستصدورون البيانات باسم هيئات ومجتمعات أهلية ومحلية معربة عن تعلقها بمغربيتها، مستغلين في ذلك الحصار الإعلامي المضروب على الصحراء الغربية، وهي كلها افتراء في افتراء، وحين تظهر الفجوة أو يصابون بانتكاسة يأتي دور جنود الخارج من أمثال السيد فيليبي غونزاليث الذي تحول من سياسي يساري، إلى مهرج يقلد أساتذة التاريخ بأجر زهيد، متناسيا وعودا رنانة، سبق أن سمعها العالم منه قبل أكثر من ثلاثة عقود.
لكن حتى لا نطيل في الوصف: نقول إن الحرية والديمقراطية صنوان، والحياة الحرة الكريمة تحتم تلازمهما، حيث هما مكملان لبعضهما، وهما صفتان بعيدتان عن التهريج والدعاية المغرضة. لأن المغرب الذي يروجون له، غير ما يدعون، فالتقارير اليومية من المغرب نفسه، تخبرنا أن حرية الصحافة تشهد تراجعا خطيرا، تارة بسبب سبر آراء، وتارة بسبب خبر أو تخمين عن صحة الملك، وأحيانا بسبب كاريكاتير. التقارير تفيد بأن مكانة المغرب تراجعت أربعة نقاط بالنسبة للتنمية البشرية، وأخرى تؤكد وجود ما يقارب المليونين مغربي بدون تغطية صحية، وعلى المستوى التعليمي رغم وجود برنامج استعجالي هناك أطفال مغاربة يدرسون في العراء وآخرون بلا أساتذة، مع وجود أكثر من ألف (1000) حي صفيحي بالبلد... إلخ. إذاً، أين هو دور دولة الحق والقانون؟ أين هي الحرية وأين هي الكرامة التي تميز دولة الحق والقانون، ويحلوا لهم ادعاء وجودها في مملكتهم.
المؤشر الآخر على تمادي المغرب في التنصل من مسؤولياته، والتنكيل بالشرائع السماوية والوضعية مثلما يفعل بالإنسان نفسه، هو الصحراء الغربية، اجتاحها عسكريا واحتلها بالقوة، ثم استعمرها بما في الكلمة من معنى، عكس ما يفترض أن يلتزم به كعضو مؤسس في الوحدة الإفريقية المبنية على احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، وكعضو يدعي الالتزام بروح ونص ميثاق الأمم المتحدة، وكل العهود والمواثيق الدولية المترتبة عنه. فالصحراء محاصرة، ولا يسمح بالدخول إليها إلا لمن يعزف لحن مغربيتها، وأهلها محاصرين، ومقطوعي الأرحام، والبطالة فيها تتجاوز 30%، ثرواتها تنهب، وتحاصرها الجدران العسكرية المليئة بالألغام المحرمة دولياً، كل هذا دون تناسي مع يتعرض له المواطنون فيها من قمع يومي، ومحاكمات صورية، واختطافات، وسجون، وترهيب نفسي وجسدي، لأن الصوت الوحيد المقبول هو صوت المخزن وترديد شعاراته، ودعاياته.
العالم من خلال الأمم المتحدة ومجلس أمنها، اقترح حلا واضحا جليا وسهلا، يتمثل في إجراء استفتاء يقرر فيه الشعب الصحراوي مصيره ليختار المستقبل الذي يناسبه، وهذا منذ 1966 وما زال الاقتراح يتكرر، لكن بقدر ما يصر العالم على أن يقرر الصحراويون مصيرهم، يتعنت المغرب ويتفنن في اختلاق الذرائع لعرقلة الحل السلمي، والأسوأ من ذلك أنه لا يكتفي بعرقل الحل السلمي فقط، وإنما يتمادى ويمعن في القيام بخطوات تصعيدية قد تنسف كل جهود الأمم المتحدة، والعاملين على أن يسود السلم والاستقرار في ربوع مغربنا العربي، آخر هذه الخطوات التي قد تؤدي إلى انزلاق خطير نحو اللااستقرار هي اختطاف سبعة نشطاء حقوقيين صحراويين من مطار الدار البيضاء المغربية، وإحالتهم على القضاء العسكري، لمواجهة تهم خطيرة بالخيانة والتخابر لصالح بلد عدو، والسؤال من هو العدو؟ هل هو عائلاتهم، آباؤهم وأمهاتهم وأبناؤهم؟ وكيف لمن يدعي مغربية الصحراء والصحراويين أن يعتبر البعض منهم عدوا؟
أربعة وثلاثون سنة مضت والمغرب مستمر في صلفه وخروجه عن إجماع المتنظم الدولي، متنكرا لكل القيم الإنسانية، وكل القوانين والأعراف الدولية، وما زال يتمادى في ذلك، فإلى متى؟ وإلى أين يريد نظام المغرب الوصول بالمغرب الأقصى بل وبكل المغرب العربي؟
سلوك مثل هذا لا أجد له صفة أو إسما سوى الخروج عن القانون الدولي، والتنكر لكل روابط التاريخ، وانعدام رؤية مستقبلية، تتيح التكامل والتعاضد لمواجهة استحقاقات ورهانات البناء والتنمية التي تظل المملكة المغربية واستقرارها وبقاء نظامها على رأس قائمة المحتاجين إليها.
23 ـ 10 ـ 2009